Saturday, January 21, 2012

لدي من الحظ الكثير

ولدت من رحم طيب

جمعت تشاكيل طيبة

ولدت في الأرض الخطأ

تلاعبت في حويصلاتي النسائم الخطأ

"لديك من الحظ الكثير" يقول


مشيت في طريق ظننته طويل

طووا أرضا حملها ثقيل

ما كنت قد تعلمت أن ألمس تجاعيد الوجوه

لم يدر في خيالي الأعمى أن خلف الجبال جبال

فطفقت أطوي السنين لأشتم النسائم التي ظننت أن قد لا تكون الخطأ

يقول "لديك من الحظ الكثير"


عند بائع ما في شارع ما في بلدة ما

يرمي قطعا معدودة "أريد إثنين بهذه"

يهتز إدراكي بشدة

تنسلخ من حولنا كل الأغلفة

لا شيء يبعث الدفء

لا تلتقي عينانا وأنا الضعيفة الملفلفة برحم أمي

وهو الضعيف بلا رحم أمه

أذكر حين قال لي "لديك من الحظ الكثير"


تخطوا أول خطواتها

تتمايل يمينا ويسارا فأضحك وتضحك

تعود فتتمايل من أجلي فأبكي وتضحك

أعطيها خفقات قلبي اليوم ودموع عيني غدا

وأرجوا الله أن تسيل دمائي من جرحها فيلتئم

وبعد غد؟

"ألديها من الحظ الكثير؟" أسأل أنا

من غيري أنا ألديها من الحظ الكثير؟

Monday, January 16, 2012

قاهر عباده بالموت

- في طريقي الى المنزل بعد يوم طويل في العمل أستوقفني كتاب فوق كومة من الكتب المعروضة على أحد أرصفة المنارة في رام الله، كتاب عن المعالم الأثرية في العراق اقتربت لاشتري الكتاب وآخذه لجدي المولع بالقراءة وبالكتب وهذه بشكل خاص مرت ثوان قبل أن أعي حقيقة فجة وأكبر من قدرتي على الإستيعاب حتى اليوم- جدي توفي منذ عامين- إلا أني ولدقائق تساءلت "لماذا لا أستطيع أن أشتري الكتاب وآخذه اليه، لماذا يمنعني ويمنعه الموت؟" تركت الكتاب وأنا لا زلت غير مقتنعة أن الموت قد يشكل حاجزا بيني وبين جدي، ومشيت.

- ثلاث سنوات متتالية وأنا أتصل بنفس الرقم وأستمع لنفس الرد"الهاتف الذي تحاول الإتصال به مغلق حاليا، يرجى محاولة الإتصال فيما بعد"، اربع سنوات منذ انتقلت لانا الى جوار ربها، لم أرها وهي ميتة ولم أستطع أن أودعها الوداع الاخير. توقفت عن المحاولة حين ردت على الهاتف فتاة أخرى ليست لانا، لا زلت أذكر الغضب الذي غلف صوتي وأنا أسألها "مين معي، هدا رقم لانا" "أنا اختها مين معي؟"
توقفت عى الاتصال ب لانا وها هي أربع سنوات تمر ولا زلت أعتقد أنها في مكان ما في أرض ما وسترد على هاتفها إن عاودت الإتصال.

-في كنيسة سيدة البشارة للروم الكاثوليك استمع الى الصلاة على روح السيدة سمية مهوي جدة صديقتي لونا وانا أحدق في وجهها واتساءل بين الدموع إن كانت ستحتضنني كعادتها وهي تقول "اشتقتلك زمان ما شفتك، وينك؟" أنظر الى وجهها واتذكر حين قالت "لو إنك مش مسلمة كان أخدناكي لجورج" لم أضحك كما كنت أضحك حين كنت أسمع العبارة بصوتها، يشتد بكائي.
ينهي الخوري الصلاة، نقترب من طيبة الذكر للوداع الأخير فتراني والدة لونا وتحتضنني "شو كانت تحبك، شو كانت تقول دمها خفيف هالبنت" نغرق في بكاء حار.

Tuesday, January 10, 2012

أربعة أيام في فلسطين مرت في وعيي كيوم واحد لا أكثر على عودتي من مصر. لا زلت لا أحس في الشوارع ولا أستمتع بالألوان التي طالما رأيتها تضج بالحياة. أفتح عيني كل صباح وأحاول أن أفهم لم أستيقظت في هذه الغرفة؟ لثوان أحسبني أحلم وأني سأستيقظ في أحد منازلي في القاهرة.
اهتديت أخيرا الى السبب الكامن حول رفضي العودة مساءالأثنين 2/1/2012 في طريق عودتنا أنا وربيع من برنامج المسابقات الأسبوعي كويز نايت. ربيع يقود سيارته ببطء فوق الشوارع المبللة بالمطر أتأملها بحثا عن حبي الذي فقدته لها:
- ما ضل شيء يربطني بالشوارع
-ربيع: ما عاد فيها نفس الحماس والرغبة والانتفاضة في كل التفاصيل؟ عم تشتاقي للثورة اللي لقيتيها في القاهرة؟
- ممكن
- ربيع: يمكن لقيتي حدا في القاهرة ربطك فيها؟
- ما أظن هدا سبب
- ربيع: نفس الشي صرت عم بحسه كل يوم، ما ضل شي حياتنا صارت عادية
- صح! كنا زمان نصحى لفلسطين وننام على فلسطين
بتعرف شو صار بقطر وقت حطوا خريطة فلسطين ناقصة؟
- ربيع: شو صار؟
- الوفد الفلسطيني طلب مقابلة مسؤولين وطلب تفسير اللي صار وتصحيح الخطأ، إجا مسؤول وقعد مع الوفد وقبل ما يفتحوا تمهم قلهم: "هذا قرار سياسي أكبر منكم، ما حدا يتدخل واللي بعمل شي بتحمل المسؤولية وبتحول للتحقيق" بس!
- ربيع: هيك؟
- آه بس هيك.
دخلت المنزل وبحثت عن أغنية أحمد قعبور "لاجيء" فهي القادرة على إعادتي الى فلسطين.
أول ذكرى للعلم الفلسطيني كانت وانا في الخامسة من عمري في منزلنا القديم، استيقظت الساعة الرابعة صباحا على أصوات دقات متواصلة على باب المنزل ووالدي يمشي باتجاه الباب، لا يدخل أحد ويخرج أبي، ينزل درجات المبنى أركض وأمي وأخي الأصغر الى النافذة المطلة على الشارع لأراه ينضم الى الكثيرين من رجال وشباب الحي المصطفين أمام دورية للجيش الاسرائيلي.

يسألهم أحد الجنود "مين رفع العلم على عمود الكهربا"- لا جواب
يكرر السؤال بعصبية ولا جواب.
يشير الجندي إلى أحد الشباب بعشوائية ويصرخ بحنق "أنت، أطلع فوق نزل العلم"

تكرر المشهد مرات عدة في صباحات مختلفة وثلاث مشاعر متداخلة لا أنساها:
- شعور لذيذ يغمرني وأنا أرى أبي في الشارع بين رجال الحي. في عيني أنا هو أجملهم وأقواهم وأكثرهم قدرة على مواجهة الإسرائيليين.
- نشوة لا حد لها ولا تفسير وأنا أرى العلم الفلسطيني يرفرف عاليا في الصباح فلا أعود الى النوم وأنا أبحث عن الكلمات التي سأخبر بها أصدقائي في الروضة أني رأيت علم فلسطين اليوم في شارعنا.
ولمن لا يعلم كان العلم الفلسطيني محرما فحيازته تهمة قد تلقي من يحمله في سجون الاحتلال الاسرائيلي لعدة شهور أو سنوات.
- صوت أمي يحذرني "انتبهي ما يشوفوكي الجيش، نزلي راسك إذا ما شفتيهم ما بشوفوكي"
ضاعت كل هذه المعاني والمشاعر وضاع العلم، أراه اليوم يرفرف في كل مكان في فلسطين الممنوحة بقرار سياسي، كبيرا وضاجا بالألوان، باردا لا يوقظ في قلبي الخفقان الذي خبرته وأنا في الخامسة من عمري. ونسيت مع ما نسيت الساعات التي كنا نسمع فيها أخبار الفدائيين وخليل الوزير- أبو جهاد الذي لا أعرف من يكون من خلال إذاعة راديو القدس وأتساءل لماذا تتحدث أمي وجاراتنا عنه بشغف وهو ليس أبي؟
نسيت الأيام التي نرى فيها في ساعات الصباح الأولى شبابا تغطي وجهها بالحطة الفلسطينية السوداء والبيضاء وهي تركض هاربة بعد أن خطت على الجدران عبارات مثل "الموت للعملاء" أو "الموت لإسرائيل" "كنا نطلق عليهم إسم "ملتمين" فأحس بنفس النشوة وخيالات طفولية تحاول رسم ملامح هذا الملثم.

كل هذا وجدته من جديد ولم أعي أن ذاكرة الطفلة عادت لي حية متقدة في شوارع قاهرة 25 يناير، العلم المصري يحمل من جديد حب وولع وألم الشارع، يتلون بلون القلوب المصرية. وجدت هناك ما ضاع مني هنا، قابلت ملثمي مصر، يملكون كل الألوان التي بهتت هنا. عادت الخيالات نفسها ولكن أكثر وضوحا وواقعية، مفهومة ومحسوسة، لا تختلف عن أي من التي عشتها وأنا في الخامسة.

المهندسين، ميدان لبنان
دخل حمزة ليشتري زجاجة ماء من ماكدونالدز، رفضت مرافقته الى داخل المطعم وخصوصا بعد شجاري مع سائق الميكروباص منذ دقائق، انتظرته في الممر المحاذي للمطعم. عرض علي الحارس بلطف الجلوس على كرسيه، رفضت بأدب ووقفت أراقب عامل النظافة الذي يكنس الممر حيث أقف. طار امام مكنسته مع الغبار علم صغير الحجم، تابع العامل كنس علم مصر الملقى على الأرض مع الغبار.
اتجهت الى العامل وأشرت الى العلم.
- "هذا علم؟"
- "أيوة"
انحنيت لالتقط العلم إلا أنه كان أسرع مني التقطه ووضعه في جيبه ثم نظر الى وابتسم وتابع عمله بهدوء.


يا نسيج الأمهات
في الليالي الحالكات
لبنيهن الإباء
كيف لا نفديك
كل خيط فيك
قطرة من دمعهن
خفقة من صدرهن
قبلة من ثغرهن
ياعلم
عيونك وعيوني
والحقد الواصل بينهما تفرضه اللحظات
أعلم أنك لا تبغضني
في القلب الكامن في أعماقك
في الخلجات
تعلم أنك إبن دمي
أن لو ترميني نظرة غدر
تصرخ تركض تحميني

Sunday, January 08, 2012

سأخبركم عنهم جميعا
لن أنسى أيا منهم
ولن تنسوا انتم أيضا
عن أحمد يودع أمه
وعن يوسف يعدها ان لا يرجع
وعن صوت الجرس فتنتفض الأم لتفتح بابا لا يفتح
عن من عاد جريحا أو أعرج
خجل من أن تمسح أخته جرحه
خجل ان يخبرها ان الالم عميق في الاعماق لا في الساق

Saturday, January 07, 2012

قاهرة 25 يناير (4)

تخطيط يرنامج اليوم في القاهرة صعب وانا التي اعتدت التنقل في رام الله التي يبعد أقصاها عن أقصاها في أوقات الزحام الخانق 45 دقيقة على الأكثر. حاولت التأقلم مع مواعيد أصدقائي التي تبدأ في السابعة وألقاهم التاسعة مساءا لأسقط أخيرا في دولاب الساعات الكبير ولا أملّ الانتظار لساعة او اثنتين.

مهما كبرت القاهرة فهي صغيرة، اليوم سأتناول الافطار مع إنجي في الزمالك، أصل "بوتري" وأتوجه الى الطاولة التي تحتلها مع ياسمين! ومرة أخرى تجدنا ياسمين في سكويا. دافئة الصدف في القاهرة والابتسامات التي لا تفارق الوجه حتى في أحلك الظروف.

ساعود قليلا الى اليوم الأول في القاهرة، في فلفلة. أنا وإنجي ومها وحمزة؛ تحدثنا اليوم الى جانب الكثير من الاحاديث التي لا تنضب في القاهرة عن آخر صيحات فتاوى شيوخ العالم الاسلامي"الكوسا والخيار وقيادة السيارة والجلوس في المقعد الامامي الذي يهدد المرأة بفقد العذرية" و "تغطية العيون المثيرة" واكثر الفتاوى مدعاة للسخرية "تحريم جلوس المرأة على المقاعد" سيل لا ينتهي من الفتاوى التي لا تتعب من تمزيق جسد المرأة تنفجر أنجي ضاحكة بمرارة "إوئدونا! بتخلفونا ليه".

لفت انتباهي الذكاء الحاد في أطفال الشوارع والقدرة على تحليل التفاصيل فلا أقاوم رغبتي في الحوارات القصيرة معهم بالرغم من التحذير الدائم من الجالس معي في القهوة. كنا خمسة نتحدث بشغف ونتبارى من الأكثر عنصرية القاهريون أم النابلسيون. اقتربت مني فتاة لا تتجاوز الستة أعوام:

- "أنا مش عاوزة فلوس أنا جعانة"

- "وأنا زيك ما بدي مصاري"

- "اتكلمي عربي" التفتت الى أصدقائي متسائلة "مش بتتكلم عربي؟"

- "طيب هيني بحكي عربي"

- "لأ اتكلمي عربي من اللي كانوا فاهمينه وانت بتكلميهم"، ثم نظرت الى اصدقائي "قولولها"

تابعت محاورتها بلهجتي النابلسية التي تقف ثقيلة الى جانب اللهجة المصرية المرحة والتي أتعبت ذات الستة أعوام فتركتني ومشت الى طاولة أخرى ربما جائعة كما اخبرتني.

في البستان مرة أخرى مع أسامة وعلي وينضم إلينا مؤمن ورامي بعد يوم طويل في المستشفيات وأقسام الشرطة. في غمرة الحديث تمر في الشارع المجاور مسيرة صغيرة تضج بهتافات يغلب عليها الهتاف الأكثر شعبية "يسقط يسقط حكم العسكر"، يغلب التوتر على وجهي وأسامة وعلي. أدرت وحهي باتجاه علي وأسامة: "نفكح؟"

مؤمن: "أيوة نفكح" مع ابتسامة عريضة تغطي وجهه.

أسامة: "لأ نفكح يعني نهرب من المظاهرة"

مؤمن وقد أدار وجهه ناحية المسيرة والابتسامة تتسع: "أيوة نفكح للمظاهرة"

تهدأ الاصوات وتعود مرة أخرى أقرب فيعود الجندي الى معركته وأعود مع أصدقائي الى المنزل.

اليوم الأخير في القاهرة بدا أقصر مما هو، أستيقظت في التاسعة صباحا وماطلت وحاربت عقارب الساعة ما استطعت، أجريت مكالمات لا تعد مع طارق وأحمد وعلي وإنجي ومؤمن وكثيرين، إلا أن المواعيد التي حددتها معهم أو لم أحدد لم تبعد عني شبح الرحيل.

الوداع الأول في السادس من أكتوبر: والدة داليا وحمزة وأسامة وياسمين. ومن ثم لقاء إيان والتعرف على طفله الجميل جونو الذي تعلق بعنقي ولف ساقيه حول خصري حين هممت بمغادرة المنزل. ربما كان جونو الأقرب إلى قلبي فأحس به، لم يرغب أن يراني أغادر عتبة المنزل ولم أرغب أن أفلت من ذراعيه الي كانت ستربطني في القاهرة ربما يوما آخر.

تمشينا أنا وإنجي في شوارع مصر الجديدة وتناولنا العشاء الأخير في أحد مطاعمها ثم قابلت والديها للمرة الأولى التي لم تترك في قلبي أثر المرة الأولى لأني أعرف الآن من أين لإنجي بالقلب الذهبي والعذوبة والامل الذي لا ينتهي بغد أفضل.

امضيت ما تبقى من أمسيتي في قهوة البستان مع علي وحمزة ومحمد وميسرة وإمنة التي وصلت من الولايات المتحدة يوم أمس، ثم انتقلنا الى سيلانترو حتى الرابعة صباحا فقد كان النوم في تلك الليلة ضربا من الجنون؛ خفت أن يغمض جفني فيغفل تفاصيل ترتاح لأن تُحفر في ذاكرتي على أن تبقى على ناصية وعيي تنتظرالعام القادم.

توجهت الى منزل طارق لآخذ حقيبتي وأتوجه الى المطار؛ هنا وجدت بيتا ثانيا لي في القاهرة وعائلة صغيرة، أحب فيها كل تفاصيلها بدءا من طارق وإيف وأحمد وانتهاءا في المطبخ الصغير الذي أعددنا فيه عشاء عيد الميلاد وغرفة الجلوس التي تعالت فيها أصواتنا مع صوت لينا شماميان "لما بدا يتثنى حبي جماله فتنا".

الجولة الأخيرة في شوارع مصر الجديدة ومغالبتي لدقائق الساعاة الأخيرة والرسم بالكلمات.


مصر يا اما يا بهيه .. يا ام طرحة و جلابية

الزمن شاب و أنت شابه .. هو رايح و انتى جايه

جايه فوق الصعب ماشية

فات عليكى ليل و ميه

واحتمالك هوهو و ابتسامتك هي هي

تضحكي للصبح يصبح

بعد ليله و مغربيه

تطلع الشمس تلاقيكى معجبانية و صبية

يا بهية


Friday, January 06, 2012

في قاهرة 25 يناير (3)

قهوة البستان- قهوة الحرية- أديون

طارق وداليا ومحمد وميسان هكذا بدأت مسائي اليوم، وأحاديث لا تنتهي عن الثورة والشارع والعمل والهموم اليومية، عمرو أحد المصريين الذين التقيتهم في فلسطين وكم طاب لي الحديث عن فلسطين مع عمرو الذي يتقن اللهجة الفلسطينية تقريبا. ترن في أذني إجابته "مِنيح" كموسيقى مارسيل خليفة تغنيها أميمة خليل حين أسأله "كيفك؟". يصل عمرو الى البستان ومن ثم نمشي الى قهوة الحرية في ميدان الفلكي. هنا قابلت علي للمرة الاولى في العام 2006 وكانت لا تزال حقيبتي التي وصلت بها من مطار القاهرة الى جانبي.

نصل الى الحرية ونختار طاولة تتوسط المكان، في الحرية لا شيء يتغير الا روادها. نتحدث قليلا عن الثورة ومستقبل مصر وتبقى الارض عربية. ننتقل للحديث عى الأشهر التي قضاها عمرو في فلسطين ونسهب في وصف فلسطين والمدن التي زارها: الكنافة في رام الله مختلفة والمسخن في جنين طيب، وزيارته الى أراضي فلسطين 48 المحتلة مع الرائع محمد بكري، وأدرك للمرة المليون أني أعشق فلسطين أكثر كلما أبتعدت عنها، ثم نعود الى مصر مع وصول صديق ل عمرو من عائلة الحسيني لا أذكر أسمه. نبدأ حديثا لا ينتهي عن تقسيم العائلات في مدن وقرى فلسطين ومخيماتها وتعود مصر وانتخاباتها ومستقبلها سيدة الحديث.

في الحرية ككل عام يتغير الجالس معي على الطاولة عمرو وصديقه ثم علي وعمرو وعلي وأحمد وننتهي ثلاثة وإيف متوجهين الى فندق ومطعم أديون.

جلسنا أربعتنا نتحدث عن المظاهرات وممارسات العسكر والعمل من أجل غد أفضل. إيف وأحمد من شباب مصر الجميل الذي اتخذ الشارع ثكنة منذ 25 يناير إلا أنهم يعبرون عن كيانهم بشكل مختلف سواءا من ناحية المظهر أو اللغة المستعملة في الحوارات أو المنطق.

لم أنتبه الى اختلافهم عني وربما هي نعمة مُنحنا إياها أن لا تتسع حدقاتنا لنا ولمن أمامنا معا فنراهم هم فقط، انضم الينا لاحقا مغني الثورة رامي عصام حديث سريع جرى بين إيف وأحمد ورامي، دار الحديث عن المعاملة والسجن الذي تعرض له رامي بسبب أغانيه التي آذت مشاعر المجلس الاعلى للقوات المسلحة وهنا أدركت أنا وصديقي ضرورة المغادرة ولا داعي أن أُذكر بإعاقتي الدائمة إن عنّ على بال المجلس العسكري البحث عن رامي.

في طريق العودة الى المنزل في السادس من أكتوبر سيطر على الحديث إيف وأحمد وتوسع ليشمل الكثيرين من شباب مصر الثائر. "همة دول الثوار؟ دول اللي حيجيبوا حق مصر؟ ده شكل ثوار؟" هكذا افتتح صديقي الحديث. ولكي لا أظلم صديقي يتوجب علي أن أخبركم أني أعتبره ولا زلت من شباب العالم العربي الذي أفخر بهم من نواح عدة كالثقاقة والذوق الموسيقي والحس الوطني والقومي بل هو بعض ما يربطني بمصر.

صدقا لم ار في إيف وأحمد ما يعيب الثورة، رأيت فيهما روحا لا تكسر وعنادا وحبا للحياة لا أملكه، ولكن ما نقله لي صديقي يومها أحزنني بعد أن كنت قد أيقنت أن الشارع المصري قد استيقظ على انهم سواء وأن سائق السيارة والعاطل عن العمل والفتاة التي وشمت كتفها والمحاضر الجامعي وربة المنزل والقاضية والموظف والمحجبة والسافرة وكل أشكال المواطنين لهم الحق الآن يثوروا على الظلم والأهانة والجوع والفقر والطوابير الطويلة. لم أتوقع أن يكون للثائر شكل معين، إلا أن صديقي لم يبخل علي ووصف لي شكل الثائر حين سألته "متعلم، ما يطولش شعره، مش حاطط حلق في مناخيره وبيتكلم بدون شتايم وبعدين إيه اللي لابسينه ده.... الخ".

لا أتوقع التغيير بين ليلة وضحاها وأنا ولدت في فلسطين المحتلة وسنوات عمري الثلاثين فيها أخبرتني أن فلسطين ما زالت محتلة وأنها محتلة منذ 64 عاما.

ألم ينتفض المصريون لأنهم تعبوا من الفرقة؟ ألم يثوروا لأن الألم لم يبق في القلب مكان لسواه؟ ألم تختلط الدماء لتملأ بركة واحدة؟ ألم تكن الحرارة والغبار والزحام والوجوه البسيطة سبب عشقي لمصر؟ كيف إذا ستكون مصر بدون ما يمنحها جمالها وكيف ستبقى مصر المرأة التي فتحت ذراعيها لي يوما هي نفس الجميلة التي تفتح ذراعيها لكل متعب؟ أليست هي نفسها ام الدنيا؟ وهل تنبذ الأم أبنائها؟


(يتبع)


Tuesday, January 03, 2012

في قاهرة 25 يناير (2)

هنا في شوارع القاهرة قابلت حريتي للمرة الأولى، لم يكن يخطر في بالي في 2005 أني سأقابلها هنا. علاقتي في القاهرة كانت في الاشخاص الذين اتخذوا من القاهرة مسكنا، في 2011 تعلمت أن زيارة القاهرة تختلف كثيرا مع كل عام.
يأخذني علي العراقي الى محطتي الثانية في مقهى البستان، مهما كبرت القاهرة فهي صغيرة، يمر في البستان الكثيرون ممن أعرف وممن ساهموا في خلق وعي مختلف لدي عن الحريات والحقوق والعدالة وأول من سمعته يتحدث عن حتمية الثورة والانتفاضة في مصر، في 2006 كانت الثورة في مصر ضربا من الجنون أو هذا ما كنت أعتقد.

لا زلت استعجب قدرة الجالسين في البستان على الاستمتاع بأحاديثهم ومناقشة كل ما يخطر في بالهم ولا يفصلهم عن ميدان التحرير أكثر من 10 دقائق. أحداث محمد محمود لم تبرد بعد ورواد القهوة يتناولونها مع كأس الشاي ولا يغفلون مناقشة الحزب أو المرشح الذي أودعوه صناديق الاقتراع اليوم، في مقاهي القاهرة الجالس على الطاولة المجاورة مشارك محتمل لأي حوار قد تجريه أو لا تجريه.
أحد أصدقائي جالس في الاعتصام أمام مجلس الوزراء ويدعوني للمشاركة، رفضت برفق وفي النهاية اضررت أن أفسر سبب الرفض "أنا فلسطينية لو إجيت وصار شيء وانمسكت رح أكون في نشرة أخبار الصبح "القبض على عناصر فلسطينية تحرض ضد المجلس العسكري". وإعاقتي كفلسطينية دائمة فلا ظهر لي يحميني ولا سفارة تسأل عني.

الى مدينة السادس من أكتوبر، مع حمزة وعلي. لا شيء في شوارعها يوحي بالتغيير، لا ملمح من ملامح الشهداء والغضب والعصيان لا محمد محمود ولا تحرير. ربما تلاعبت قنوات الاعلام بعقولنا وربما لا زال مبارك قابعا في مكتبه الرئاسي.
وصلت المنزل، فتحت جهازي لاتفقد حساب تويتر ولأجد أن الاشتباكات تتجدد بين قوات جيش الدفاع المصري والثوار! أحداث محيط مجلس الوزراء والقصر العيني. لا شيء مفهوم، أجريت اتصالات بكل من أعتقدت أنهم في الشارع. الاجابة ذاتها: لا يعرفون إلا أن الجيش ضرب أحد المعتصمين وجن جنون جيش الدفاع وبدأ بإلقاء ما وصلت اليه أيديهم من أثاث وزجاج داخل المبنى على المعتصمين. تسمرت أنا وأسامة أمام شاشة الجزيرة والكاميرا مثبتة على المبنى وتويتر ينقل بدقة ما كان ينهال على المعتصمين من دواليب وكراسي وزجاج لدرجة أني اعتقدت أن لجنة الاتلاف في المبنى الوزاري تعمل من أجل استصدار قرار استقبال الجنزوري على عفش جديد.
في إحدى اليالي التي تلت الليلة الاولى والجلوس أمام شاشة التلفاز أتابع تويتر والعن الجنسيات والحدود كانت خراطيم المياه هي أحد أساليب ردع المعتصمين الا ان اللافت استعمال المياه بدون أي ضغط لتفريقهم الهدف الوحيد كان البلل الغير مفسر، أسامة يصرخ "حيكهربوهم يا طانت". ضحكت فشر البلية ما يضحك فإما الكهرباء أو نزلات برد حادة وحملة اعتقالات ضد كل من يعطس. وعلى رأي أسامة: موقعة الكهربا او موقعة الحمى.

في اليوم التالي أردت التوجه الى موقع الاعتصام والاشتباكات الا أن صديقي حذرني وقال "لأ اخاف عليكي".
في الايام اللاحقة فهمت سبب التحذير، لاحقا شاهدت ما يندى له الجبين، شباب ممزقة الجسد بفعل ارتطام ألواح الزجاج بأجسادها، وإخرون ينزفون وغيرهم مصابين برضات غطت الجسد المنهك. وأكبر الصدمات كان قصة أحدى الفتيات الرائعات التي تعبت من عد ايادي واصابع الجيش التي عبثت بجسدها وتسابقت على الوصول الى ما تحت طبقات الثياب الشتوية السميكة.

وبرده بحبك يا مصر (يتبع)

Monday, January 02, 2012

في قاهرة 25 يناير

أتحدث مع سائق سيارة الأجرة في طريقي الى مطار الملكة علياء الدولي لقتل الوقت. أمامي 35 دقيقة لأصل و95 أخرى تفصلني عن مقعدي في طائرة الخطوط الجوية المصرية و65 دقيقة تبدو لي عمرا كاملا بيني وبين حبيبتي قاهرة المعز.


أنتظر دوري في صف طويل ليختم الضابط المسؤول جواز سفري الفلسطيني، تتصاعد دقات قلبي مع كل خطوة أقترب بها من الضابط "ماذا لو لم يسمح لي بالدخول، كيف سأشرح له أنه من حقي أن أكون هنا، كيف سأترجم له إحساسي بأن لي فيها بمقدار ما له؟"


محطتي الاولى كانت في شارع هدى شعراوي المتفرع من ميدان طلعت حرب والمجاور لميدان التحرير دارت بنا السيارة حول الميدان لتدخل شارع طلعت حرب، تعلقت عيناي بما تبقى من 25 يتاير: بعض الخيم والشباب الجالس حول الرقعة الدائرية التي تتوسط الميدان وعدد من الباعة المتجولين.

سائق السيارة يرمقهم ولكن بعيون مختلفة "شايفة يا آنسة، هنا في كل حاجة، الخيم دي فيها أكل وخمرة وعلاقات بين ولاد وبنات"

حدقت في الخيام الصغيرة المفتوحة من الجانبين "أكل وخمرة وعلاقات بين ولاد وبنات" في خيمة مفتوحة من الجانبين؟ ممكن؟!


وصلت الى مطعم فلفة لا شيء يتغير في القاهرة، جميلة، سريعة، دافئة، هادئة برغم الصخب لا تزال تفتح ذراعيها لي وليس لي وحدي. حوض السمك لا زال في مكانه في مدخل المطعم مفتقدا السلحفاة العجوز التي فكرنا أنا وصديقي ليام منذ ثلاثة أعوام بخطفها واعادتها الى البحر الكبير.


لقاء انجي كان علاقتي بالمكان وتبادل الاحاديث صوتا وصورة بعد عامين من الحديث من خلال شاشتي جهازينا الصغيرين. الضحكات الدافئة نفسها ولكن مع رنات حقيقية اليوم.

هاتفي لا يهدأ أتصل ب مهاـ علي، أسامة، محمد، مؤمن وكل من لا زلت أحتفظ برقمه لأتأكد أني في القاهرة وأنا أقولها في كل مكالمة أجريها.

(يتبع)