هنا في شوارع القاهرة قابلت حريتي للمرة الأولى، لم يكن يخطر في بالي في 2005 أني سأقابلها هنا. علاقتي في القاهرة كانت في الاشخاص الذين اتخذوا من القاهرة مسكنا، في 2011 تعلمت أن زيارة القاهرة تختلف كثيرا مع كل عام.
يأخذني علي العراقي الى محطتي الثانية في مقهى البستان، مهما كبرت القاهرة فهي صغيرة، يمر في البستان الكثيرون ممن أعرف وممن ساهموا في خلق وعي مختلف لدي عن الحريات والحقوق والعدالة وأول من سمعته يتحدث عن حتمية الثورة والانتفاضة في مصر، في 2006 كانت الثورة في مصر ضربا من الجنون أو هذا ما كنت أعتقد.
لا زلت استعجب قدرة الجالسين في البستان على الاستمتاع بأحاديثهم ومناقشة كل ما يخطر في بالهم ولا يفصلهم عن ميدان التحرير أكثر من 10 دقائق. أحداث محمد محمود لم تبرد بعد ورواد القهوة يتناولونها مع كأس الشاي ولا يغفلون مناقشة الحزب أو المرشح الذي أودعوه صناديق الاقتراع اليوم، في مقاهي القاهرة الجالس على الطاولة المجاورة مشارك محتمل لأي حوار قد تجريه أو لا تجريه.
أحد أصدقائي جالس في الاعتصام أمام مجلس الوزراء ويدعوني للمشاركة، رفضت برفق وفي النهاية اضررت أن أفسر سبب الرفض "أنا فلسطينية لو إجيت وصار شيء وانمسكت رح أكون في نشرة أخبار الصبح "القبض على عناصر فلسطينية تحرض ضد المجلس العسكري". وإعاقتي كفلسطينية دائمة فلا ظهر لي يحميني ولا سفارة تسأل عني.
الى مدينة السادس من أكتوبر، مع حمزة وعلي. لا شيء في شوارعها يوحي بالتغيير، لا ملمح من ملامح الشهداء والغضب والعصيان لا محمد محمود ولا تحرير. ربما تلاعبت قنوات الاعلام بعقولنا وربما لا زال مبارك قابعا في مكتبه الرئاسي.
وصلت المنزل، فتحت جهازي لاتفقد حساب تويتر ولأجد أن الاشتباكات تتجدد بين قوات جيش الدفاع المصري والثوار! أحداث محيط مجلس الوزراء والقصر العيني. لا شيء مفهوم، أجريت اتصالات بكل من أعتقدت أنهم في الشارع. الاجابة ذاتها: لا يعرفون إلا أن الجيش ضرب أحد المعتصمين وجن جنون جيش الدفاع وبدأ بإلقاء ما وصلت اليه أيديهم من أثاث وزجاج داخل المبنى على المعتصمين. تسمرت أنا وأسامة أمام شاشة الجزيرة والكاميرا مثبتة على المبنى وتويتر ينقل بدقة ما كان ينهال على المعتصمين من دواليب وكراسي وزجاج لدرجة أني اعتقدت أن لجنة الاتلاف في المبنى الوزاري تعمل من أجل استصدار قرار استقبال الجنزوري على عفش جديد.
في إحدى اليالي التي تلت الليلة الاولى والجلوس أمام شاشة التلفاز أتابع تويتر والعن الجنسيات والحدود كانت خراطيم المياه هي أحد أساليب ردع المعتصمين الا ان اللافت استعمال المياه بدون أي ضغط لتفريقهم الهدف الوحيد كان البلل الغير مفسر، أسامة يصرخ "حيكهربوهم يا طانت". ضحكت فشر البلية ما يضحك فإما الكهرباء أو نزلات برد حادة وحملة اعتقالات ضد كل من يعطس. وعلى رأي أسامة: موقعة الكهربا او موقعة الحمى.
في اليوم التالي أردت التوجه الى موقع الاعتصام والاشتباكات الا أن صديقي حذرني وقال "لأ اخاف عليكي".
في الايام اللاحقة فهمت سبب التحذير، لاحقا شاهدت ما يندى له الجبين، شباب ممزقة الجسد بفعل ارتطام ألواح الزجاج بأجسادها، وإخرون ينزفون وغيرهم مصابين برضات غطت الجسد المنهك. وأكبر الصدمات كان قصة أحدى الفتيات الرائعات التي تعبت من عد ايادي واصابع الجيش التي عبثت بجسدها وتسابقت على الوصول الى ما تحت طبقات الثياب الشتوية السميكة.
وبرده بحبك يا مصر (يتبع)
