Saturday, January 07, 2012

قاهرة 25 يناير (4)

تخطيط يرنامج اليوم في القاهرة صعب وانا التي اعتدت التنقل في رام الله التي يبعد أقصاها عن أقصاها في أوقات الزحام الخانق 45 دقيقة على الأكثر. حاولت التأقلم مع مواعيد أصدقائي التي تبدأ في السابعة وألقاهم التاسعة مساءا لأسقط أخيرا في دولاب الساعات الكبير ولا أملّ الانتظار لساعة او اثنتين.

مهما كبرت القاهرة فهي صغيرة، اليوم سأتناول الافطار مع إنجي في الزمالك، أصل "بوتري" وأتوجه الى الطاولة التي تحتلها مع ياسمين! ومرة أخرى تجدنا ياسمين في سكويا. دافئة الصدف في القاهرة والابتسامات التي لا تفارق الوجه حتى في أحلك الظروف.

ساعود قليلا الى اليوم الأول في القاهرة، في فلفلة. أنا وإنجي ومها وحمزة؛ تحدثنا اليوم الى جانب الكثير من الاحاديث التي لا تنضب في القاهرة عن آخر صيحات فتاوى شيوخ العالم الاسلامي"الكوسا والخيار وقيادة السيارة والجلوس في المقعد الامامي الذي يهدد المرأة بفقد العذرية" و "تغطية العيون المثيرة" واكثر الفتاوى مدعاة للسخرية "تحريم جلوس المرأة على المقاعد" سيل لا ينتهي من الفتاوى التي لا تتعب من تمزيق جسد المرأة تنفجر أنجي ضاحكة بمرارة "إوئدونا! بتخلفونا ليه".

لفت انتباهي الذكاء الحاد في أطفال الشوارع والقدرة على تحليل التفاصيل فلا أقاوم رغبتي في الحوارات القصيرة معهم بالرغم من التحذير الدائم من الجالس معي في القهوة. كنا خمسة نتحدث بشغف ونتبارى من الأكثر عنصرية القاهريون أم النابلسيون. اقتربت مني فتاة لا تتجاوز الستة أعوام:

- "أنا مش عاوزة فلوس أنا جعانة"

- "وأنا زيك ما بدي مصاري"

- "اتكلمي عربي" التفتت الى أصدقائي متسائلة "مش بتتكلم عربي؟"

- "طيب هيني بحكي عربي"

- "لأ اتكلمي عربي من اللي كانوا فاهمينه وانت بتكلميهم"، ثم نظرت الى اصدقائي "قولولها"

تابعت محاورتها بلهجتي النابلسية التي تقف ثقيلة الى جانب اللهجة المصرية المرحة والتي أتعبت ذات الستة أعوام فتركتني ومشت الى طاولة أخرى ربما جائعة كما اخبرتني.

في البستان مرة أخرى مع أسامة وعلي وينضم إلينا مؤمن ورامي بعد يوم طويل في المستشفيات وأقسام الشرطة. في غمرة الحديث تمر في الشارع المجاور مسيرة صغيرة تضج بهتافات يغلب عليها الهتاف الأكثر شعبية "يسقط يسقط حكم العسكر"، يغلب التوتر على وجهي وأسامة وعلي. أدرت وحهي باتجاه علي وأسامة: "نفكح؟"

مؤمن: "أيوة نفكح" مع ابتسامة عريضة تغطي وجهه.

أسامة: "لأ نفكح يعني نهرب من المظاهرة"

مؤمن وقد أدار وجهه ناحية المسيرة والابتسامة تتسع: "أيوة نفكح للمظاهرة"

تهدأ الاصوات وتعود مرة أخرى أقرب فيعود الجندي الى معركته وأعود مع أصدقائي الى المنزل.

اليوم الأخير في القاهرة بدا أقصر مما هو، أستيقظت في التاسعة صباحا وماطلت وحاربت عقارب الساعة ما استطعت، أجريت مكالمات لا تعد مع طارق وأحمد وعلي وإنجي ومؤمن وكثيرين، إلا أن المواعيد التي حددتها معهم أو لم أحدد لم تبعد عني شبح الرحيل.

الوداع الأول في السادس من أكتوبر: والدة داليا وحمزة وأسامة وياسمين. ومن ثم لقاء إيان والتعرف على طفله الجميل جونو الذي تعلق بعنقي ولف ساقيه حول خصري حين هممت بمغادرة المنزل. ربما كان جونو الأقرب إلى قلبي فأحس به، لم يرغب أن يراني أغادر عتبة المنزل ولم أرغب أن أفلت من ذراعيه الي كانت ستربطني في القاهرة ربما يوما آخر.

تمشينا أنا وإنجي في شوارع مصر الجديدة وتناولنا العشاء الأخير في أحد مطاعمها ثم قابلت والديها للمرة الأولى التي لم تترك في قلبي أثر المرة الأولى لأني أعرف الآن من أين لإنجي بالقلب الذهبي والعذوبة والامل الذي لا ينتهي بغد أفضل.

امضيت ما تبقى من أمسيتي في قهوة البستان مع علي وحمزة ومحمد وميسرة وإمنة التي وصلت من الولايات المتحدة يوم أمس، ثم انتقلنا الى سيلانترو حتى الرابعة صباحا فقد كان النوم في تلك الليلة ضربا من الجنون؛ خفت أن يغمض جفني فيغفل تفاصيل ترتاح لأن تُحفر في ذاكرتي على أن تبقى على ناصية وعيي تنتظرالعام القادم.

توجهت الى منزل طارق لآخذ حقيبتي وأتوجه الى المطار؛ هنا وجدت بيتا ثانيا لي في القاهرة وعائلة صغيرة، أحب فيها كل تفاصيلها بدءا من طارق وإيف وأحمد وانتهاءا في المطبخ الصغير الذي أعددنا فيه عشاء عيد الميلاد وغرفة الجلوس التي تعالت فيها أصواتنا مع صوت لينا شماميان "لما بدا يتثنى حبي جماله فتنا".

الجولة الأخيرة في شوارع مصر الجديدة ومغالبتي لدقائق الساعاة الأخيرة والرسم بالكلمات.


مصر يا اما يا بهيه .. يا ام طرحة و جلابية

الزمن شاب و أنت شابه .. هو رايح و انتى جايه

جايه فوق الصعب ماشية

فات عليكى ليل و ميه

واحتمالك هوهو و ابتسامتك هي هي

تضحكي للصبح يصبح

بعد ليله و مغربيه

تطلع الشمس تلاقيكى معجبانية و صبية

يا بهية