قهوة البستان- قهوة الحرية- أديون
طارق وداليا ومحمد وميسان هكذا بدأت مسائي اليوم، وأحاديث لا تنتهي عن الثورة والشارع والعمل والهموم اليومية، عمرو أحد المصريين الذين التقيتهم في فلسطين وكم طاب لي الحديث عن فلسطين مع عمرو الذي يتقن اللهجة الفلسطينية تقريبا. ترن في أذني إجابته "مِنيح" كموسيقى مارسيل خليفة تغنيها أميمة خليل حين أسأله "كيفك؟". يصل عمرو الى البستان ومن ثم نمشي الى قهوة الحرية في ميدان الفلكي. هنا قابلت علي للمرة الاولى في العام 2006 وكانت لا تزال حقيبتي التي وصلت بها من مطار القاهرة الى جانبي.
نصل الى الحرية ونختار طاولة تتوسط المكان، في الحرية لا شيء يتغير الا روادها. نتحدث قليلا عن الثورة ومستقبل مصر وتبقى الارض عربية. ننتقل للحديث عى الأشهر التي قضاها عمرو في فلسطين ونسهب في وصف فلسطين والمدن التي زارها: الكنافة في رام الله مختلفة والمسخن في جنين طيب، وزيارته الى أراضي فلسطين 48 المحتلة مع الرائع محمد بكري، وأدرك للمرة المليون أني أعشق فلسطين أكثر كلما أبتعدت عنها، ثم نعود الى مصر مع وصول صديق ل عمرو من عائلة الحسيني لا أذكر أسمه. نبدأ حديثا لا ينتهي عن تقسيم العائلات في مدن وقرى فلسطين ومخيماتها وتعود مصر وانتخاباتها ومستقبلها سيدة الحديث.
في الحرية ككل عام يتغير الجالس معي على الطاولة عمرو وصديقه ثم علي وعمرو وعلي وأحمد وننتهي ثلاثة وإيف متوجهين الى فندق ومطعم أديون.
جلسنا أربعتنا نتحدث عن المظاهرات وممارسات العسكر والعمل من أجل غد أفضل. إيف وأحمد من شباب مصر الجميل الذي اتخذ الشارع ثكنة منذ 25 يناير إلا أنهم يعبرون عن كيانهم بشكل مختلف سواءا من ناحية المظهر أو اللغة المستعملة في الحوارات أو المنطق.
لم أنتبه الى اختلافهم عني وربما هي نعمة مُنحنا إياها أن لا تتسع حدقاتنا لنا ولمن أمامنا معا فنراهم هم فقط، انضم الينا لاحقا مغني الثورة رامي عصام حديث سريع جرى بين إيف وأحمد ورامي، دار الحديث عن المعاملة والسجن الذي تعرض له رامي بسبب أغانيه التي آذت مشاعر المجلس الاعلى للقوات المسلحة وهنا أدركت أنا وصديقي ضرورة المغادرة ولا داعي أن أُذكر بإعاقتي الدائمة إن عنّ على بال المجلس العسكري البحث عن رامي.
في طريق العودة الى المنزل في السادس من أكتوبر سيطر على الحديث إيف وأحمد وتوسع ليشمل الكثيرين من شباب مصر الثائر. "همة دول الثوار؟ دول اللي حيجيبوا حق مصر؟ ده شكل ثوار؟" هكذا افتتح صديقي الحديث. ولكي لا أظلم صديقي يتوجب علي أن أخبركم أني أعتبره ولا زلت من شباب العالم العربي الذي أفخر بهم من نواح عدة كالثقاقة والذوق الموسيقي والحس الوطني والقومي بل هو بعض ما يربطني بمصر.
صدقا لم ار في إيف وأحمد ما يعيب الثورة، رأيت فيهما روحا لا تكسر وعنادا وحبا للحياة لا أملكه، ولكن ما نقله لي صديقي يومها أحزنني بعد أن كنت قد أيقنت أن الشارع المصري قد استيقظ على انهم سواء وأن سائق السيارة والعاطل عن العمل والفتاة التي وشمت كتفها والمحاضر الجامعي وربة المنزل والقاضية والموظف والمحجبة والسافرة وكل أشكال المواطنين لهم الحق الآن يثوروا على الظلم والأهانة والجوع والفقر والطوابير الطويلة. لم أتوقع أن يكون للثائر شكل معين، إلا أن صديقي لم يبخل علي ووصف لي شكل الثائر حين سألته "متعلم، ما يطولش شعره، مش حاطط حلق في مناخيره وبيتكلم بدون شتايم وبعدين إيه اللي لابسينه ده.... الخ".
لا أتوقع التغيير بين ليلة وضحاها وأنا ولدت في فلسطين المحتلة وسنوات عمري الثلاثين فيها أخبرتني أن فلسطين ما زالت محتلة وأنها محتلة منذ 64 عاما.
ألم ينتفض المصريون لأنهم تعبوا من الفرقة؟ ألم يثوروا لأن الألم لم يبق في القلب مكان لسواه؟ ألم تختلط الدماء لتملأ بركة واحدة؟ ألم تكن الحرارة والغبار والزحام والوجوه البسيطة سبب عشقي لمصر؟ كيف إذا ستكون مصر بدون ما يمنحها جمالها وكيف ستبقى مصر المرأة التي فتحت ذراعيها لي يوما هي نفس الجميلة التي تفتح ذراعيها لكل متعب؟ أليست هي نفسها ام الدنيا؟ وهل تنبذ الأم أبنائها؟
(يتبع)
