أربعة أيام في فلسطين مرت في وعيي كيوم واحد لا أكثر على عودتي من مصر. لا زلت لا أحس في الشوارع ولا أستمتع بالألوان التي طالما رأيتها تضج بالحياة. أفتح عيني كل صباح وأحاول أن أفهم لم أستيقظت في هذه الغرفة؟ لثوان أحسبني أحلم وأني سأستيقظ في أحد منازلي في القاهرة.
اهتديت أخيرا الى السبب الكامن حول رفضي العودة مساءالأثنين 2/1/2012 في طريق عودتنا أنا وربيع من برنامج المسابقات الأسبوعي كويز نايت. ربيع يقود سيارته ببطء فوق الشوارع المبللة بالمطر أتأملها بحثا عن حبي الذي فقدته لها:
- ما ضل شيء يربطني بالشوارع
-ربيع: ما عاد فيها نفس الحماس والرغبة والانتفاضة في كل التفاصيل؟ عم تشتاقي للثورة اللي لقيتيها في القاهرة؟
- ممكن
- ربيع: يمكن لقيتي حدا في القاهرة ربطك فيها؟
- ما أظن هدا سبب
- ربيع: نفس الشي صرت عم بحسه كل يوم، ما ضل شي حياتنا صارت عادية
- صح! كنا زمان نصحى لفلسطين وننام على فلسطين
بتعرف شو صار بقطر وقت حطوا خريطة فلسطين ناقصة؟
- ربيع: شو صار؟
- الوفد الفلسطيني طلب مقابلة مسؤولين وطلب تفسير اللي صار وتصحيح الخطأ، إجا مسؤول وقعد مع الوفد وقبل ما يفتحوا تمهم قلهم: "هذا قرار سياسي أكبر منكم، ما حدا يتدخل واللي بعمل شي بتحمل المسؤولية وبتحول للتحقيق" بس!
- ربيع: هيك؟
- آه بس هيك.
دخلت المنزل وبحثت عن أغنية أحمد قعبور "لاجيء" فهي القادرة على إعادتي الى فلسطين.
أول ذكرى للعلم الفلسطيني كانت وانا في الخامسة من عمري في منزلنا القديم، استيقظت الساعة الرابعة صباحا على أصوات دقات متواصلة على باب المنزل ووالدي يمشي باتجاه الباب، لا يدخل أحد ويخرج أبي، ينزل درجات المبنى أركض وأمي وأخي الأصغر الى النافذة المطلة على الشارع لأراه ينضم الى الكثيرين من رجال وشباب الحي المصطفين أمام دورية للجيش الاسرائيلي.
يسألهم أحد الجنود "مين رفع العلم على عمود الكهربا"- لا جواب
يكرر السؤال بعصبية ولا جواب.
يشير الجندي إلى أحد الشباب بعشوائية ويصرخ بحنق "أنت، أطلع فوق نزل العلم"
تكرر المشهد مرات عدة في صباحات مختلفة وثلاث مشاعر متداخلة لا أنساها:
- شعور لذيذ يغمرني وأنا أرى أبي في الشارع بين رجال الحي. في عيني أنا هو أجملهم وأقواهم وأكثرهم قدرة على مواجهة الإسرائيليين.
- نشوة لا حد لها ولا تفسير وأنا أرى العلم الفلسطيني يرفرف عاليا في الصباح فلا أعود الى النوم وأنا أبحث عن الكلمات التي سأخبر بها أصدقائي في الروضة أني رأيت علم فلسطين اليوم في شارعنا.
ولمن لا يعلم كان العلم الفلسطيني محرما فحيازته تهمة قد تلقي من يحمله في سجون الاحتلال الاسرائيلي لعدة شهور أو سنوات.
- صوت أمي يحذرني "انتبهي ما يشوفوكي الجيش، نزلي راسك إذا ما شفتيهم ما بشوفوكي"
ضاعت كل هذه المعاني والمشاعر وضاع العلم، أراه اليوم يرفرف في كل مكان في فلسطين الممنوحة بقرار سياسي، كبيرا وضاجا بالألوان، باردا لا يوقظ في قلبي الخفقان الذي خبرته وأنا في الخامسة من عمري. ونسيت مع ما نسيت الساعات التي كنا نسمع فيها أخبار الفدائيين وخليل الوزير- أبو جهاد الذي لا أعرف من يكون من خلال إذاعة راديو القدس وأتساءل لماذا تتحدث أمي وجاراتنا عنه بشغف وهو ليس أبي؟
نسيت الأيام التي نرى فيها في ساعات الصباح الأولى شبابا تغطي وجهها بالحطة الفلسطينية السوداء والبيضاء وهي تركض هاربة بعد أن خطت على الجدران عبارات مثل "الموت للعملاء" أو "الموت لإسرائيل" "كنا نطلق عليهم إسم "ملتمين" فأحس بنفس النشوة وخيالات طفولية تحاول رسم ملامح هذا الملثم.
كل هذا وجدته من جديد ولم أعي أن ذاكرة الطفلة عادت لي حية متقدة في شوارع قاهرة 25 يناير، العلم المصري يحمل من جديد حب وولع وألم الشارع، يتلون بلون القلوب المصرية. وجدت هناك ما ضاع مني هنا، قابلت ملثمي مصر، يملكون كل الألوان التي بهتت هنا. عادت الخيالات نفسها ولكن أكثر وضوحا وواقعية، مفهومة ومحسوسة، لا تختلف عن أي من التي عشتها وأنا في الخامسة.
المهندسين، ميدان لبنان
دخل حمزة ليشتري زجاجة ماء من ماكدونالدز، رفضت مرافقته الى داخل المطعم وخصوصا بعد شجاري مع سائق الميكروباص منذ دقائق، انتظرته في الممر المحاذي للمطعم. عرض علي الحارس بلطف الجلوس على كرسيه، رفضت بأدب ووقفت أراقب عامل النظافة الذي يكنس الممر حيث أقف. طار امام مكنسته مع الغبار علم صغير الحجم، تابع العامل كنس علم مصر الملقى على الأرض مع الغبار.
اتجهت الى العامل وأشرت الى العلم.
- "هذا علم؟"
- "أيوة"
انحنيت لالتقط العلم إلا أنه كان أسرع مني التقطه ووضعه في جيبه ثم نظر الى وابتسم وتابع عمله بهدوء.
يا نسيج الأمهات
في الليالي الحالكات
لبنيهن الإباء
كيف لا نفديك
كل خيط فيك
قطرة من دمعهن
خفقة من صدرهن
قبلة من ثغرهن
ياعلم
